
صورة شخصية
هي لا تتحدث فقط عن عدد النساء في السياسة، بل عن شكل السياسة نفسها، وعن شكل المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. فالسؤال الحقيقي ليس كم امرأة تجلس حول طاولة اتخاذ القرار، بل أي نوع من القرارات يُتخذ عندما يجلس نصف المجتمع فقط حول تلك الطاولة.
المرأة العربية في إسرائيل تعيش في واقع معقد يمكن وصفه بأنه “الهامش داخل الهامش”. فهي تنتمي إلى أقلية قومية تعاني من التمييز، وداخل هذه الأقلية نفسها تعيش في مجتمع لا تزال مراكز القوة فيه بيد الرجال. أي أنها تواجه تهميشاً مزدوجاً: مرة لأنها عربية، ومرة لأنها امرأة. ومع ذلك، ورغم كل هذه التحديات، نرى في العقود الأخيرة ظاهرة لافتة: النساء العربيات يتعلمن أكثر، يدخلن الجامعات بأعداد متزايدة، يعملن في مجالات التربية، الصحة، القانون، العمل الاجتماعي، والهاي-تك أيضاً، ويقدن مبادرات اجتماعية وثقافية مهمة جداً. لكن عندما نصل إلى السياسة ومراكز اتخاذ القرار، نجد أن حضور النساء يكاد يكون رمزياً، وكأن المجتمع يقبل نجاح المرأة، لكنه لا يزال يخاف من قيادتها.
هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست في قدرات النساء ولا في تعليمهن ولا في مشاركتهن في المجتمع، بل في بنية القوة نفسها: في الأحزاب، في السلطات المحلية، في الثقافة السياسية، وفي البنية الاجتماعية التي لا تزال ترى القيادة كمساحة “رجالية”. ومن هنا نفهم أن مطلب 50% ليس مطلباً تقنياً، بل هو محاولة لإعادة التوازن إلى مجتمع اختل توازنه. لأن السياسة، كما نراها اليوم، تُدار في كثير من الأحيان بمنطق القوة والخوف والسيطرة والصراع على النفوذ، وربما لهذا السبب، كما قالت حنان، فإن غياب النساء عن مراكز القرار ساهم على مدى عقود في ترسيخ سياسة قائمة على الخوف والانقسام.
السؤال هنا ليس هل النساء أفضل من الرجال، بل هل يمكن لمجتمع أن يكون سليماً ومتوازناً عندما نصفه فقط هو الذي يقرر. عندما تغيب النساء عن السياسة، لا يغيب فقط نصف المجتمع، بل تغيب أيضاً طريقة أخرى في التفكير، في إدارة الصراعات، في رؤية المستقبل. تغيب لغة الحياة اليومية، لغة التربية، لغة المسؤولية طويلة المدى، وتبقى في كثير من الأحيان لغة القوة والهيمنة والقرارات القصيرة المدى. ولهذا، فإن دخول امرأة واحدة إلى السياسة قد يغير السياسة قليلاً، لكن دخول عدد كبير من النساء يمكن أن يغير ثقافة السياسة نفسها، ويمكن أن يغير طريقة اتخاذ القرار وأولويات المجتمع وتعريف القيادة.
في المجتمع العربي، هذا التغيير ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة اجتماعية. لأن مجتمعاً يعاني من العنف، ومن أزمات اقتصادية، ومن أزمات في التربية والتعليم، ومن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والقيادة، هو مجتمع بحاجة إلى توسيع دائرة القيادة لا إلى إبقائها محصورة في نفس النخب ونفس العائلات ونفس الوجوه. تمثيل النساء ليس فقط قضية نساء، بل قضية مجتمع يريد أن يتنفس بكل رئتيه لا برئة واحدة فقط.
ربما لهذا السبب، فإن نضال النساء من أجل التمثيل السياسي ليس معركة ضد الرجال، بل معركة من أجل المجتمع نفسه، من أجل مجتمع أكثر عدلاً، وأكثر توازناً، وأقل عنفاً، وأكثر قدرة على التفكير بالمستقبل بدل البقاء أسير الخوف. عندما تطالب حنان الصانع بـ 50%، فهي في الحقيقة لا تطالب بحق النساء فقط، بل تطالب بحق المجتمع كله في أن يكون مجتمعاً طبيعياً، متوازناً، وعادلاً. لأن المجتمع الذي تخاف فيه النساء من الدخول إلى السياسة، هو مجتمع يجب أن يخاف على نفسه.
( عن دعوة المحامية حنان الصانع لتمثيل متساوٍ للنساء في السياسة )
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
