قصة ‘وصلت لقمة النجاح‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
لبست ردائي وبعد ذلك انتعلت حذائي. حملت حقيبتي ، جلت بنظري أبحث عن مفتاح سيارتي. وجدته يقبع بين أوراقي، التي كتبت عليها روايتي، التي تتحدث عن نشأتي، عن أحلامي التي بدأت بتحقيقها رغم أني لم أكمل دراستي.
الكاتبة اسماء الياس
هناك على سطح المكتب حيث أجد راحتي، عندما ابدأ بتدوين ملاحظاتي، وكلما خطر ت ببالي خاطرة ، لا أجد سوى هذا الركن حتى يكون ملاذي.
تناولت مفتاح سيارتي ومن ثم ألقيت نظرة للفوضى العارمة التي تجتاح هذا المكتب من حيث الأوراق المكدسة، هنا رواية لم تكتمل فصولها، وهناك قصة كنت قد بدأت بكتابتها ، رغم وجود الفكرة التي اود طرحها. لكن قررت تأجيلها حتى تختمر الفكرة وتصبح جاهزة بكل أركانها.
خرجت من البيت وفي رأسي هواجس كثيرة تشغل البال. فقد نهضت من النومِ صباحًا على إثر حلم مزعج، كنت أقف على سفح رابية، وجاءت ريح قوية أسقطتني في وادٍ عميق. لكن قبل أن أصل لقاع الوادي، وجدت يدين تحملانني وترفعانني للأعلى، نهضت عندها من النوم وانا أرتجف. نظرت من النافذة وجدت الضوء قد بدأ ينتشر على الكون.
وبعد أن هدأت نفسيتي توجهت للمطبخ حتى اعد لنفسي كوبًا من القهوة العربية.
شربت قهوتي. وقبل أن أخرج من البيت جاءني اتصال من مدير إحدى القنوات التلفزيونية، بعد السلام والتحية سألني: إذا كان باستطاعتنا بأن نستضيفك في برنامج حواري على الهواء مباشرةً.
فأجبته : ليس لدي أي مانع، يشرفني جدا بأن أكون ضيفة في برنامجكم الذي أتابعه بشغف منقطع النظير، لأنكم تسلطون الضوء من خلال برنامجكم على الكثير من القضايا التي تهم المجتمع العربي.
إذا سوف يتواصل معك فريق الاعداد ومن ثم يخبرونك بأي يوم واي ساعة يكون موعد البرنامج.
وأنا بالانتظار مع الشكر لكم.
لم يكن في نيتي ذلك اليوم أن أزور الأماكن المعتادة، بل قررتُ الذهاب لشاطئ البحر لأستنشق نسيمه الذي يجلب الراحة النفسية. وهناك، اتصلتُ بـ "وجدي" الذي تعرفتُ عليه في حفل لجمعية تُعنى بمحدودي الحركة. سرنا سوياً على الرمل، وتحدثنا عن همومنا، وعن وضع مجتمعنا وأمنه الذي أصبح على المحك. قلتُ له بصراحة: لو عمل كل إنسان للصالح العام لكنا أفضل شعوب الأرض، لكن الدمار هو ما نراه يومياً. استغربتُ كيف يخرب الإنسان بيئته ولا يفكر في مستقبل أحفاده.
قال لي: يا عزيزتي روز، لو أن من يشعلون الحروب فكروا مثلكِ، لعشنا في سلام شامل، لكن الأطماع تسبق المصلحة العامة.
ودعتُ وجدي وعدتُ للبيت، توجهتُ لمكتبي بطاقة جديدة،
وتوجهت مباشرة نحو مكتبي حيث تركته صباحًا حتى أعود إليه بطاقات جديدة وغنية بالأفكار.
وبينما كنت على أتم الاستعداد لتكملة ما بدأت به من الرواية التي كانت تنتظرني. ومع شعوري بأني جاهزة للخوض في غمارها ، هذا الشيء جعلني أكون على أتم الاستعداد للغوص في بحار الكلمة.
لكن قبل أن ابدأ بكتابة أول كلمة جاءني اتصال من رقم غير معروف. كان الاتصال من فريق الاعداد التلفزيوني.
تكلموا معي عن البرنامج والأسئلة التي سوف تطرح عليَّ، وما هو الموضوع الذي سوف يكون مدار الحديث عنه.
عدا أني كاتبة، وخبيرة بالكثير من الأوجه إذا كانت سياسية أو اقتصادية او اجتماعية ،مما جعلني محط أنظار الكثير من المحطات والبرامج التلفزيونية التي تهتم بمثل تلك الحوارات التي تسلط الضوء على الكثير من الأمور التي تشغل بال المجتمع العربي بشكل خاص والمجتمعات العالمية بشكل عام.
جاء الموعد المنتظر. وقفتُ أمام مرآتي أستعدُّ لمواجهة الكاميرات، لم تكن الأضواء هي ما يهمني، بل الكلمات التي حبستُها طويلاً بين جدران مكتبي.
في استوديو القناة، كانت الأجواء مشحونة بالحركة. جلستُ مقابل المذيع الذي بادرني بسؤالٍ حمل في طياته نوعاً من التحدي: "سيدة روز، أنتِ اليوم ضيفةٌ يترقبها الكثيرون، كُتبكِ تتصدر القوائم، وآراؤكِ في الاقتصاد والسياسة يُعتدُّ بها.. لكن، ألا تجدين مفارقة في أنكِ لم تحصلي على شهادة جامعية وتتحدثين في أمورٍ تخصصية بهذا العمق؟
ساد صمتٌ قصير في الاستوديو. تذكرتُ في تلك اللحظة حلمي؛ شعرتُ وكأن الأرض تهتز من تحتي، وكأنني أسقط مجدداً نحو ذلك الوادي العميق. لكنني نظرتُ إلى عدسة الكاميرا وتخيلتُ آلاف الشباب والشابات الذين يشبهونني، فابتسمتُ بثبات وقلت:
الشهادة يا سيدي هي مفتاحٌ يفتح باباً، لكنّ القراءة والبحث والمعاناة هي التي تبني قصوراً مفتوحة الابواب داخل العقل. لقد كانت أوراقي المكدسة وفوضى مكتبي هي جامعتي الحقيقية. النجاح ليس ورقة تُعلّق على جدار، بل هو الأثر الذي نتركه في عقول الآخرين. عندما سقطتُ في بداية طريقي ولم أكمل دراستي، لم أستسلم للقاع الذي سقطت فيه ، بل اتخذتُ من وجعي سُلماً ، ارتقي به الى الاعالي!
انطلق المذيع ليسألني عن رؤيتي للمستقبل، فاستحضرتُ حديثي مع "وجدي" على الشاطئ، وقلت بصوتٍ ملأه الشجن والأمل معاً: إننا نعيش في عالمٍ ينهشه الطمع، ويدمره الإهمال البيئي والحروب. إن لم نزرع اليوم بذور السلام والانتماء للأرض، فلن نترك لأحفادنا سوى الرماد. قمة النجاح بالنسبة لي ليست وقوفي هنا اليوم، بل هي أن تصل كلماتي لقلبِ إنسانٍ محبط، لترفع يداه نحو النور كما رُفعت يداي في حلمي ذاك الفجر.
وعندما انتهى البث، لم يصفق طاقم الإعداد فحسب، بل رأيتُ الدموع في عيون المصورين. عدتُ إلى بيتي، نزعتُ ردائي، وتوجهتُ فوراً إلى ذلك الركن، إلى مكتبي. لم يعد مكتباً فوضوياً بعد الآن، بل أصبح وطناً. أمسكتُ بروايتي وكتبتُ في الصفحة الأخيرة: لقد وصلتُ.. ليس لأنني لم أسقط، بل لأنني قررتُ أن أكون أنا اليد التي ترفعُ الآخرين من قاع الوادي.
من هنا وهناك
-
قصة ضوء بحجم النهار بقلم الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘رثاء الفنان الكبير محمد بكري‘ - بقلم : هادي زاهر
-
قصة ‘ضوء بحجم النهار‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
موشحات ‘السماءُ قَبَّلَتِ الأرضَ‘ - بقلم : أسماء طنوس من المكر
-
‘ الرَّذِيلَة ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘ الكنزةُ الحمراء ‘ - بقلم: زهير دعيم
-
وداعًا عزيزنا عصام مخول | بقلم: رانية مرجية
-
‘ ميلادك أحلى عيد ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
الرئيس الفنزويلي يرقص مع روبوت على أنغام موسيقى تقليدية لعيد الميلاد
-
‘ رثاء رجل الوفاق المرحوم محمد رمال‘ - بقلم: هادي زاهر





أرسل خبرا