التعسف الوظيفي: كيف يحوّل المؤسسات من إنتاجية إلى ضغط؟ - بقلم: بشار مرشد
في أوقات الأزمات الإدارية والمالية، كثيرًا ما تتحول المؤسسات من أماكن للعمل والإبداع إلى فضاءات للتعسف الوظيفي. تكثيف الدوام، الإجراءات البيروقراطية، والتركيز على الكم بدل النوع يحوّل المؤسسات إلى فضاءات ضغط مستمرة،
بشار مرشد - صورة شخصية
ويضع الموظفين تحت عبء دائم على حساب جودة الأداء.
التعسف هنا ليس انضباطًا، بل استغلال للسلطة واستعراض للقوة يظهر الفشل الإداري ويخفيه في الوقت ذاته. بعض المسؤولين يحافظون على امتيازاتهم، يُحيّدون الكفاءات، ويهمشون من لا ينتمي لدائرة الولاء، بينما يتحمل الموظفون العاديون العبء الأكبر.
نتائج هذا الوضع واضحة: انخفاض الإنتاجية، استقالات مبكرة، تآكل الثقة المؤسسية، وتحويل بيئة العمل إلى آلة ضغط ومصالح شخصية.
دوافع التعسف الوظيفي:
التعسف الوظيفي لا يحدث بشكل عشوائي، بل ينشأ من مجموعة من الدوافع التي تجمع بين العوامل النفسية والإدارية والاجتماعية:
1. إخفاء الفشل الإداري أو المالي
حين تواجه المؤسسة أزمة مالية أو ضعفًا في الموارد، يلجأ بعض المسؤولين إلى تكثيف الدوام وتشديد الإجراءات الشكلية لإيهام الموظفين والجمهور بأن المؤسسة تعمل بكفاءة، وهو ما يُعرف بـ استعراض السلطة.
2. حماية الامتيازات الشخصية
المسؤولون الذين يمتلكون امتيازات مثل سيارات رسمية، نثريات، مصاريف ضيافة أو حصص من الموارد، يصبح التعسف أداة للحفاظ على هذه المكاسب وتجنب أي تهديد لوضعهم.
3. تحييد الكفاءات
وجود موظفين أكفاء قد يشكل تهديدًا للنفوذ الشخصي، لذا يسعى البعض إلى زيادة العبء عليهم، وتشتيت تركيزهم على الكم بدل النوع، لتقليل تأثيرهم على القرارات والموارد.
4. تأمين الولاءات الشخصية
التعيينات والترقيات المبنية على العلاقات والولاءات تجعل التعسف أداة لضمان استمرار شبكة مصالح مغلقة داخل المؤسسة، حيث يُصَبُّ الضغط على من لا ينتمي لهذه الدائرة.
هذه الدوافع تتضافر لتنتج آثارًا واضحة على مستوى المؤسسة: انخفاض الإنتاجية، زيادة الاستقالات المبكرة، تآكل الثقة المؤسسية، وتحويل بيئة العمل إلى فضاء للضغط والمصالح الشخصية.
الحلول الممكنة:
1. شرائح صرف عادلة
تقسيم نسب صرف الرواتب حسب الامتيازات الفعلية لكل موظف ومسؤول لتقليل شعور الظلم وتعزيز العدالة المالية.
2. تخفيف الضغط الإداري
التركيز على نوعية الإنجاز وجودة العمل بدلاً من الكم من الإجراءات الروتينية، لمنح الموظفين مساحة للتفكير والإبداع وزيادة جودة الأداء.
3. المكافآت المعنوية
التقدير والاعتراف بالجهد والإنجاز يحفّز الأداء أكثر من المكافآت المالية وحدها، ويزيد ولاء الموظفين للمؤسسة.
4. الترقيات والتعيينات وفق الكفاءة
إصدار قوانين صارمة تحمي عملية اتخاذ القرارات من تأثير الولاءات الشخصية والمحسوبية، وتربط الترقيات والتعيينات بالخبرة والكفاءة الفعلية.
5. رقابة مستقلة
إنشاء هيئات رقابية مستقلة لمتابعة الأداء والقرارات الإدارية، لضمان الشفافية والمساءلة، وإتاحة آليات للشكاوى دون خوف من الانتقام.
6. وحدة قضائية مستقلة للشكاوى
تُنشأ وحدة قضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية وتتبع للسلطة القضائية مباشرة لتلقي الشكاوى الخاصة بسلوك المسؤولين والإجراءات التعسفية. هذه الوحدة تتعامل مع السلوك الإداري نفسه وليس الأشخاص، حفاظًا على جوهر الحصانة الإدارية التي تهدف إلى حماية المؤسسة والعمل، لا حماية المسؤولين شخصيًا.
7. بيئة عمل عادلة
تعزيز ثقافة مؤسسية تحمي الموظفين، تقلل الاستقطاب الطبقي بين المسؤولين والمرؤوسين، وتضمن أن العدالة والمكافأة العادلة تصبح جزءًا من طبيعة العمل اليومية.
خاتمة:
الإصلاح لا يبدأ بالإجراءات الشكلية، بل بالعدالة، الشفافية، والتقدير المعنوي للموظفين. عندما تُطبق هذه المبادئ بجدية، تتحول المؤسسات من فضاءات ضغط واستعراض سلطة إلى بيئات إنتاجية حقيقية، حيث يصبح الأداء النوعي والولاء للمؤسسة قاعدة ثابتة لا استثناء.
من هنا وهناك
-
‘ عبرنَة الأمكنة ‘ - بقلم : حسن عبادي من حيفا
-
المحامي زكي كمال يكتب: الانتخابات القادمة: صياغة جديدة للموجود أم تغيير نحو المنشود؟
-
هل هي حقاً ضريبة أملاك؟ وهل هي فعلاً تفرض من اجل مصلحة الأجرين؟ بقلم : هاني نجم
-
قراءة في تحذيرات لبيد من خسارة الانتخابات امام نتنياهو | بقلم: أمير مخول
-
حديث الشهر: الصوم طهارة للروح و البدن وعبادة تقود الى التقوى
-
‘ لسنا سيزيف… والحراك الشعبي سينتصر ‘ - بقلم : المحامي علي أحمد حيدر
-
‘من برلين الى مونيخ: البديل المنظم يكسر أوهام التفاوض ويفرض خارطة طريق التغيير‘ - بقلم: الأستاذ عبدالرزاق الزرزور
-
‘هل يقوم نتنياهو بتقريب موعد الانتخابات ؟‘ - بقلم : د. سهيل دياب
-
‘ساعة الصفر… بين تهديداتهم ووعي الشعوب ‘ - بقلم: سليم السعدي
-
‘ إيران بين مناورة التفاوض وتصاعد البديل: نظام يشتري الوقت وشعب يفرض المعادلة‘ - بقلم: د. محمد الموسوي





أرسل خبرا